فصل: كتاب الشفعة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الاختيار لتعليل المختار ***


باب الصرف

وهو في اللغة الدفع والرد، ومنه الدعاء‏:‏ اصرف عنا كيد الكائدين، وصرف الله عنك السوء‏.‏ وفي الشريعة‏:‏ بيع الأثمان بعضها ببعض، سمي به لوجوب دفع ما في يد كل واحد من المتعاقدين إلى صاحبه في المجلس‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وهو بيع جنس الأثمان بعضه ببعض، ويستوي في ذلك مضروبهما ومصوغهما وتبرهما، فإن باع فضة بفضة أو ذهبا بذهب لم يجز إلا مثلا بمثل يدا بيد‏)‏ والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا»‏.‏ ولقول عمر رضي الله عنه‏:‏ وإن استنظرك إلى وراء السارية فلا تنظره‏.‏ ولأنه لا بد من قبض أحد العوضين ليخرج من بيع الكالئ بالكالئ وليس أحدهما أولى من الآخر فيقبضان، ولأنه إذا قبض أحدهما يجب قبض الآخر تحقيقا للمساواة، والمعتبر في ذلك المفارقة بالأبدان حتى لو تصارفا وسارا عن مجلسهما كثيرا ثم تقابضا جاز ما لم يفترقا، وكذلك مجلس عقد المسلم، ولو تصارفا ووكلا بالقبض فالمعتبر تفرق العاقدين لا تفرق الوكيلين، ولو ناما جالسين لم يكن فرقة، ولو ناما مضطجعين كان فرقة، ولا يجوز خيار الشرط لأنه ينفي استحقاق القبض ولا الأجل لأنه يفوت القبض الذي هو شرط الصحة، فإن أسقطهما قبل التفرق جاز خلافا لزفر وقد مر، ولو اشترى بثمن الصرف عرضا قبل قبضه فهو فاسد، لأنه يفوت القبض المستحق بالعقد، وكذا كل تصرف في بدل الصرف قبل قبضه لما بينا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا اعتبار بالصياغة والجودة‏)‏ لقوله عليه الصلاة والسلام في آخر الحديث‏:‏ «جيدها ورديئها فيه سواء»‏.‏ ‏(‏فإن باعها مجازفة ثم عرف التساوي في المجلس جاز وإلا فلا‏)‏ لما عرف أن ساعات المجلس كساعة واحدة فصار كالعلم في ابتدائه؛ وإن لم يعلما لا يجوز لاحتمال الربا، لأن الشرط هو المساواة يجب علينا تحصيله، أما وجوده في علم الله تعالى لا يصلح أن يكون شرطا، لأن الأحكام تنبني على أفعال العباد تحقيقا لمعنى الابتلاء، وتعتبر في الدراهم والدنانير الغلبة كما تقدم في الزكاة، فإن تساويا فهي كالجياد في الصرف احتياطا للحرمة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا ومجازفة مقابضة‏)‏، لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد» وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء»‏.‏

ولو افترقا قبل القبض بطل العقد لفوات الشرط‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويجوز بيع درهمين ودينار بدينارين ودرهم، وبيع أحد عشر درهما بعشرة ودينار‏)‏ وكذا درهمين ودينارين بدينار ودرهم، وكذا كري حنطة وكر شعير بكر حنطة وكري شعير‏.‏ والأصل في ذلك أن عندنا يصرف كل واحد من الجنسين إلى خلافه حملا لتصرفهما على الصحة، وفيه خلاف زفر، فإنه يصرف الجنس إلى جنسه لأنه أسهل عند المقابلة‏.‏ ولنا أنهما قصدا الصلة ظاهرا فيحمل عليه تحقيقا لقصدهما ودفعا لحاجتهما؛ ولو باع الجنس بمثله وأحدهما أقل ومعه عرض إن بلغت قيمة العرض قدر النقصان جاز ولا كراهة فيه، وإن لم تبلغ جاز مع الكراهة، وإن كان مما لا قيمة له لا يجوز لأنه ربا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن باع سيفا محلى بثمن أكثر من قدر الحلية جاز‏)‏ ومراده إذا كان الثمن من جنس الحلية جاز لتكون الحلية بمثلها والزيادة بالنصل والحمائل والجفن، وإن كان مثلها أو أقل لا يجوز لأنه ربا، وإن كان بخلاف جنسها جاز كيف كان لجواز التفاضل على ما بينا ‏(‏ولا بد من قبض قدر الحلية قبل الافتراق‏)‏ لأنه صرف، ولو اشتراه بعشرين درهما والحلية عشرة دراهم فقبض منها عشرة فهي حصة الحلية وإن لم يعينها حملا لتصرفه على الصحة، وكذا إذا قال خذها من ثمنها لأن قصده الصحة، وقد يراد بالاثنين أحدهما كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 22‏]‏ وكذا إن اشتراه بعشرين عشرة نقدا وعشرة نسيئة، فالنقد حصة الحلية لما تقدم؛ فإن افترقا لا عن قبض بطل البيع فيهما إن كانت الحلية لا تتخلص إلا بضرر كجذع في سقف، وإن كانت تتخلص جاز في السيف وبطل في الحلية كالطوق في عنق الجارية، وقس على هذا جميع أمثالها‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن باع إناء فضة أو قطعة نقرة فقبض بعض الثمن ثم افترقا صار شركة بينهما‏)‏ فيكون للمشتري فيه بقدر ما نقد من الثمن، ولا خيار له، لأن العيب جاء من قبله حيث لم ينقد جميع الثمن ‏(‏فإن استحق بعض الإناء، فإن شاء المشتري أخذ الباقي بحصته، وإن شاء رده‏)‏ لأن الشركة عيب في الإناء ‏(‏ولو استحق بعض القطعة أخذ الباقي بحصته ولا خيار له‏)‏ لأن التشقيص لا يضر القطعة فلم تكن الشركة فيه عيبا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويجوز البيع بالفلوس‏)‏ لأنها معلومة ‏(‏فإن كانت كاسدة عينها‏)‏ لأنها عروض ‏(‏وإن كانت نافقة لم يعينها‏)‏ لأنها من الأثمان كالذهب والفضة ‏(‏فإن باع بها ثم كسدت بطل البيع‏)‏ خلافا لهما لأن البيع صح فلا يفسد لتعذر التسليم بالكساد، كما إذا اشترى بشيء من الفواكه وانقطع فتجب قيمتها، غير أن أبا يوسف يوجبها يوم البيع لأن الثمن مضمون به، ومحمدا يوم الكساد لأن عنده تنتقل إلى القيمة‏.‏ ولأبي حنيفة أن ثمنية الفلوس بالاصطلاح فيهلك بالكساد فيبقى المبيع بلا ثمن فيبطل، فيرد المبيع أو قيمته إن كان هالكا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن أعطى صيرفيا درهما وقال أعطني به فلوسا ونصفا إلا حبة جاز‏)‏ ويصرف النصف إلا حبة إلى مثله من الدرهم والباقي إلى الفلوس تصحيحا لتصرفهما، وقد تقدم جنسه والله أعلم‏.‏

كتاب الشفعة

وهي الضم، ومنه الشفع في الصلاة، وهو ضم ركعة إلى أخرى، والشفع‏:‏ الزوج الذي هو ضد الفرد، والشفيع لانضمام رأيه إلى رأي المشفوع له في طلب النجاح، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم للمذنبين لأنها تضمهم إلى الصالحين، والشفعة في العقار لأنها ضم ملك البائع إلى ملك الشفيع، وهي تثبت للشفيع بالثمن الذي بيع به رضي المتبايعان أو سخطا، ولهذا المعنى كانت على خلاف القياس، إلا أنا استحسنا ثبوتها بالنص، وهو قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «الجار أحق بشفعته»‏.‏ رواه جابر، وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «جار الدار أحق بشفعة الدار»‏.‏ وكان أبو بكر الرازي ينكر هذا القول ويقول‏:‏ وجوب الشفعة مجمع عليه أصل من الأصول المقطوع بها لا يقال إنه استحسان‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا شفعة إلا في العقار‏)‏ لقوله عليه الصلاة و السلام‏:‏ «لا شفعة إلا في ربع أو حائط»‏.‏ ولأن الشفعة وجبت في العقار لدفع ضرر الدخيل فيما هو متصل على الدوام على ما نبينه إن شاء الله تعالى والمنقول ليس كذلك، لأنه لا يدوم دوام العقار فلا يلحق به ‏(‏وتجب في العقار سواء كان مما يقسم‏)‏ كالدور والحوانيت والقرى ‏(‏أو مما لا يقسم‏)‏ كالبئر والرحى والطريق، لأن النصوص الموجبة للشفعة لا تفصل وسببها الملك المتصل، والمعنى الذي وجبت له دفع ضرر الدخيل، وذلك لا يختلف في النوعين‏.‏ وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «الشفعة في كل شرك ربع أو حائط»‏.‏ ‏(‏وتجب إذا ملك العقار بعوض هو مال‏)‏ حتى لو ملكه بعوض ليس بمال النكاح والخلع والإجارة والصلح عن دم العمد لا تجب الشفعة، وكذا لو ملكه لا بعوض كالهبة والوصية والصدقة والإرث، لأن الشفيع إنما يأخذها بمثل ما أخذها به الدخيل أو بقيمته، وهذه الأشياء لا مثل لها ولا قيمة، أما الخالية عن الأعواض فظاهر‏.‏ وأما المقابلة بالأعواض المذكورة، أما عدم المماثلة فظاهر، وأما القيمة فلأن قيمتها غير معلومة حقيقة، لأن القيمة ما تقوم مقام المقوّم في المعنى، وأنه لا يتحقق في هذه الأشياء، وإنما تقوّمت في النكاح والإجارة بمهر المثل وأجرة المثل ضرورة صحة العقد فلا يتعداهما، وتجب في الموهوب بشرط العوض ابتداء لأنه بيع انتهاء على ما يأتيك في الهبة، وكذا تجب في الصلح عن إقرار أو سكوت، لأنه مقابلة المال بالمال على ما يأتي في الصلح إن شاء الله تعالى‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وتجب بعد البيع‏)‏ لأن بالرغبة عن الملك تجب الشفعة، وبالبيع يعرف ذلك، ولهذا لو أقر المالك بالبيع أخذها الشفيع وإن كذبه المشتري، وخيار البائع يمنع الشفعة لأنها لم تخرج عن ملكه، وخيار المشتري لا يمنعه لخروجها عن ملك البائع، وخيار الرؤية والعيب لا يمنع‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وتستقر بالإشهاد‏)‏ لأن بالإشهاد يعلم طلبه إذ لا بد من طلب المواثبة على ما يأتي، فيحتاج إلى إثباته عند القاضي وذلك بالإشهاد، فإذا شهد به الشهود استقرت‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وتملك بالأخذ‏)‏ إذا أخذها من المشتري أو حكم له بها حاكم، لأن بالعقد تم الملك للمشتري فلا يتنقل عنه إلا برضاه أو بقضاء كالرجوع في الهبة، حتى لو باع الشفيع ما يشفع به قبل ذلك الطلب بعد الطلب بطلت شفعته، وكذا لو مات في هذه الحالة بطلت ولا تورث‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والمسلم والذمي والمأذون والمكاتب ومعتق البعض سواء‏)‏ لعموم النصوص، ولأن السبب موجود وهو الاتصال، والمعنى يشملهم وهو دفع الضرر‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وتجب للخليط في نفس المبيع، ثم في حق المبيع، ثم للجار‏)‏ أما الخليط فلقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «الشفعة لشريك لم يقاسم»‏.‏ وأما في حق المبيع فلقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «جار الدار أحق بشفعة الدار والأرض، وينتظر إن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا»‏.‏ وأما الجار فلما تقدم، ولقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «الجار أحق بسقبه»‏.‏ أي بسبب قربه‏.‏ وروي أنه قيل‏:‏ يا رسول الله ما سقبه‏؟‏ قال‏:‏ «شفعته»‏.‏ ولأنها تثبت لدفع ضرر الجار من حيث إيقاد النار، وإثارة الغبار، وإعلاء الجدار؛ وتجب على ما ذكرنا من الترتيب لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «الشريك أحق من الخليط، والخليط أحق من غيره»‏.‏ وفي رواية»‏.‏ والخليط أحق من الجار»‏.‏ فالشريك في الرقبة، والخليط في الحقوق، ولأن الشريك أخص بالضرر، ثم الخليط، ثم الجار، لأن الشريك شاركهما في المعنى وزاد، وكذلك الخليط شارك الجار وزاد عليه فيترجح لقوة السبب، فإن سلم الشريك في الرقبة يصير كأن لم يكن فيأخذها الشريك في الحقوق، فإن سلم أخذها الجار؛ والمراد الجار الملاصق وإن كان بابه إلى سكة أخرى، لأنه هو الذي يستضر بما ذكرنا من المعاني‏.‏ وعن أبي يوسف لا حق لهما مع الشريك في الرقبة وإن سلم، لأنه حجبهما فلا حق لهما معه كالحجب في الميراث، ووجه الظاهر ما ذكرنا، ولأنهم استووا في السبب لكنه تقدم لما ذكرنا، فإذا سلم عمل السبب في حقهما لزوال المانع كالدين بالرهن وبغير رهن إذا أسقط المرتهن حقه وحق المبيع الطريق الخاص وهو ما لا يكون نافذا، والنهر الخاص وهو ما لا تجري فيه السفن‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وتقسم على عدد الرؤوس‏)‏ وصورته دار بين ثلاثة لأحدهم النصف وللآخر الثلث وللآخر السدس، باع أحدهم نصيبه فالشفعة للباقين على السواء لاستوائهما في السبب وهو الاتصال، ألا ترى أنه لو انفرد أحدهم أخذ الجميع، فدل على استوائهم في السبب، وكان المعنى يشملهم وهو لحوق الأذى فيستوون في الاستحقاق، وكذا لو كان لهما جاران أحدهما ملاصق من ثلاث جوانب والآخر من جانب واحد، فهما سواء لاستوائهما في لحوق الضرر والسبب‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا علم الشفيع بالبيع ينبغي أن يشهد في مجلس علمه على الطلب‏)‏ وهذا طالب المواثبة وهو على الفور‏.‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «الشفعة لمن واثبها»‏.‏ وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «إنما الشفعة كنشطة عقال، إن قيدتها ثبتت وإلا ذهبت»‏.‏ وروي عن محمد أنه على المجلس لأنه تمليك فيحتاج إلى التروي والنظر فلا يبطل خياره ما لم يوجد منه ما يدل على الإعراض كخيار القبول والمخيرة ‏(‏فإن لم يشهد بعد التمكن منه بطلت‏)‏ لأنه دليل الإعراض، ولا تبطل إذا حمد الله أو سبحه أو سلم أو شمّت لأنه لا يدل على الإعراض، وكذا إذا سأل عن المشتري وكمية الثمن وماهيته لأنه دليل الطلب، ولو كان في الأربعة بعد الجمعة أو قبل الظهر فأتمها لم تبطل، ولو زاد على ركعتين في غيرها من السنن بطلت، ثم هذا الطلب إنما يجب عليه إذا أخبره به رجل عدل، أو رجلان مستوران، أو رجل وامرأتان‏.‏ وعندهما يكفي خبر الواحد رجلا كان أو امرأة أو صبيا، حرا أو عبدا إذا كان الخبر حقا، وتمامه يأتيك في الوكالة إن شاء الله تعالى، والمعتبر الطلب دون الإشهاد، وإنما الإشهاد للإثبات حتى لو صدقه المشتري على الطلب لا يحتاج إلى شهود‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ثم يشهد على البائع إذا كان المبيع في يده أو على المشتري أو عند العقار‏)‏ وهذا طلب التقرير لأنه قد لا يمكنه الإشهاد على طلب المواثبة لأنه على الفور فيحتاج إلى هذا الطلب الثاني للإثبات عند القاضي، فإن كان المبيع في يد البائع لم يسلمه، فإن شاء أشهد عليه، وإن شاء على المشتري، لأن كل واحد منهما خصم البائع باليد والمشتري بالملك، وإن شاء عند المبيع لتعلق الحق به وهو أن يقول‏:‏ إن فلانا باع هذه الدار ويذكر حدودها الأربعة وأنا شفيعها طلبت شفعتها وأطلبها الآن فاشهدوا علي بذلك، وإن كان البائع قد سلمها لا يجوز الإشهاد عليه لأنه لم يبق خصما، فإذا فعل ذلك لا يثبت ‏(‏ولا تسقط بالتأخير‏)‏ وعن أبي يوسف إن تركه مجلسا أو مجلسين من مجالس الحكم بطل‏.‏ وعنه ثلاثة أيام لأنه دليل الإعراض‏.‏ وقدره محمد بشهر لأن المشتري يتضرر بالتأخير لنقص تصرفاته، فقدره بالشهر لأنه أقل الآجل وأكثر العاجل، ومرادهما إذا ترك لغير عذر‏.‏ ولأبي حنيفة أنه حق ثبت فلا يسقط بالتأخير كسائر الحقوق، وضرر المشتري يمكن دفعه بالمرافعة إلى القاضي حتى يوقت له وقتا يوفيه فيه الثمن وإلا يبطل حقه‏.‏ قال في الهداية والفتوى على قول أبي حنيفة‏.‏ وقال في المحيط‏:‏ والفتوى على قولهما دفعا للضرر عن المشتري لأنه قد يختفي الشفيع فلا يقدر على إحضاره إلى القاضي فيدفع الضرر بقولهما‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا طلب الشفيع الشفعة عند الحاكم سأل الحاكم المدعى عليه، فإن اعترف بملكه الذي يشفع به، أو قامت عليه بينة، أو نكل عن اليمين أنه ما يعلم به ثبت ملكه‏)‏ وينبغي أن يسأل المدعي أولا عن موضع الدار وحدودها نفيا للاشتباه، ثم يسأله عن سبب الاستحقاق لاختلاف الأسباب، فإذا بيّن ذلك وقال أنا شفيعها بدار لي تلاصقها صحت دعواه، وشرط بعضهم تحديد داره أيضا، ثم بعد ذلك يسأل القاضي المدعى عليه، فإن اعترف بملكه الذي يشفع به فلا حاجة إلى البينة، وإن لم يعترف طلب من المدعي البينة؛ لأن اليد لا تكفي للاستحقاق، فإن أقامها يثبت وإلا استحلف المدعى عليه بالله لا يعلم أنه مالك للدار التي ذكرها يشفع بها، لأنه لو أقر بذلك لزمه، فإذا أنكر عليه يحلف ويحلف على العلم لأنه فعل الغير، فإذا نكل ثبت الملك، ثم يسأله القاضي عن الشراء، فإن اعترف به أو قامت البينة عليه ثبت وإلا استحلف المشتري بالله ما ابتاع أو ما يستحق عليه شفعة من الوجه الذي ذكر، ويستحلف على البتات لأنه فعله، فإذا نكل قضي له بالشفعة، وإن لم يحضر الثمن ذكره في الأصل، لأن الثمن إنما يجب بانتقال الملك إليه، ولا ينتقل إلا بالقضاء فلا يجب عليه الإحضار قبله كما لا يجب على المشتري قبل البيع‏.‏ وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يقضي ما لم يحضر الثمن، لأنه قد يكون مفلسا فيتضرر المشتري، وهو مروي عن محمد، وإذا قضي له وأخذها من المشتري يثبت له فيها أحكام البيع من خيار رؤية وعيب وغيرهما لأنه بمنزلة الشراء لأنه مقابلة مال بمال، ولا يثبت له خيار الشرط ولا الأجل لعدم الشرط‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وللشفيع أن يخاصم البائع إذا كان المبيع في يده‏)‏ لأنه خصم على ما بينا ‏(‏ولا يسمع القاضي البينة إلا بحضرة المشتري، ثم يفسخ البيع ويجعل العهدة على البائع‏)‏ لأن اليد للبائع والملك للمشتري والقاضي يقضي بها للشفيع فيشترط حضورهما، بخلاف ما بعد القبض لأن البائع كالأجنبي، فإذا أخذها من البائع تتحول الصفقة ويصير كأن الشفيع اشتراها من البائع، فلهذا تكون العهدة عليه، ولو أخذها من المشتري بعد القبض فالعهدة عليه لأنه تم ملكه بالقبض‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وللشفيع أن يخاصم وإن لم يحضر الثمن، فإذا قضي له لزمه إحضاره‏)‏ وقد تقدم الكلام فيه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والوكيل بالشراء خصم في الشفعة حتى يسلم إلى الموكل‏)‏ لأن حقوق العقد ترجع إلى الوكيل على ما يأتي بيانه في الوكالة إن شاء الله تعالى، والشفعة من حقوق العقد، فإذا أسلمها إلى الموكل لم يبق له يد ولا ملك فيصير الموكل خصما‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وعلى الشفيع مثل الثمن إن كان مثليا وإلا قيمته‏)‏ لأن القاضي حكم له بالملك بالعقد الأول، فيجب عليه ما وجب بالعقد الأول؛ وإن اشترى الذمي دارا بخمر أو خنزير والشفيع ذمي أخذها بمثل الخمر لأنه مثلى، وقيمة الخنزير لأنه ليس بمثلي، وإن كان مسلما أخذها بقيمة كل واحد منهما، أما الخنزير فلما مر، وأما الخمر فلأنه ممنوع من تمليكها وتملكها فاستحال المثل في حقه فيصار إلى القيمة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن حط البائع عن المشتري بعض الثمن سقط عن الشفيع‏)‏ لما تقدم أن الحط يلتحق بأصل العقد ‏(‏فإن حط النصف ثم النصف أخذها بالنصف الأخير‏)‏ لأنه لما حط النصف الأول التحق بأصل العقد فوجب عليه نصف الثمن، فلما حط النصف الآخر كان حطا للجميع فلا يسقط، ألا ترى أنه لو حط الجميع ابتداء لا يسقط عن الشفيع، لأنه لا يلتحق بأصل العقد بل يكون هبة فلا يسقط عن الشفيع ‏(‏وإن زاد المشتري في الثمن لا يلزم الشفيع‏)‏ لاحتمال أنهما تواضعا على ذلك إضرارا بالشفيع، بخلاف الحط لأنه نفع له‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن اختلفا في الثمن فالقول قول المشتري، والبينة بينة الشفيع‏)‏ لأن الشفيع يدعي استحقاق الدار عند أداء الأقل، والبينة بينة المدعي، والمشتري ينكر ذلك، والقول قوله مع يمينه‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏فيما يبطل الشفعة‏]‏

‏(‏وتبطل الشفعة بموت الشفيع وتسليمه الكل أو البعض، وبصلحه عن الشفعة بعوض، وببيع المشفوع به قبل القضاء بالشفعة، وبضمان الدرك عن البائع، وبمساومته المشتري بيعا وإجارة‏)‏ أما بطلانها بالموت فلان ملكه زال بالموت وانتقل إلى الوارث، وبعد ثبوته للوارث لم يوجد البيع فلا يثبت له حق الشفعة، والمراد إذا مات بعد البيع قبل القضاء بالشفعة، أما إذا مات بعد القضاء لزم وانتقلت إلى ورثته ولزمهم الثمن؛ وأما تسليمه الكل فلأنه صريح في الإسقاط؛ وأما البعض فلأن حق الشفعة لا يتجزّى ثبوتا لأنه يملكه كما ملكه اغلمشتري، والمشتري لا يملك البعض لأنه تفريق الصفقة فلا يتجزى إسقاطا فيكون ذكر بعضه كذكر كله؛ وأما الصلح عنها لأن الشفعة حق التملك وليس حقا متقررا، فلا يصح الاعتياض عنه كالعنين إذا قال لامرأته‏:‏ اختاري ترك الفسخ بألف، أو قال للمخيرة‏:‏ اختاريني بألف فاختارت سقط الفسخ ولا شيء لهما، ويجب عليه رد العوض لأنه لم يقابله حق متقرر فلا يكون تجارة عن تراض فلا يحل؛ وأما بيع المشفوع به قبل القضاء بالشفعة لزوال سبب الاستحقاق قبل القضاء وهو نظير الموت؛ وأما ضمان الدرك عن البائع فلأنه قد ضمن للمشتري بقاءها على ملكه وسلامتها له، وذلك يتضمن تسليم الشفعة؛ وأما مساومة المشتري بيعا وإجارة فلأنه دليل الرضا بثبوت الملك للمشتري وتصرفه فيه بيعا وإجارة، وذلك لا يكون إلا بعد إسقاط الشفعة، وكذلك إذا طلبها منه تولية أو أخذها مزارعة أو معاملة، وكل ذلك إذا كان بعد العلم بالشراء‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا تبطل بموت المشتري‏)‏ لأن المستحق وهو الشفيع قائم، وحقه مقدم على حق المشتري حتى لا تنفذ وصيته فيه، ولا يباع في دينه فيكون مقدما على حق الوارث‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا شفعة لوكيل البائع‏)‏ لأنه سعى في نقض فعله وهو كالبيع، وكذا إذا كان له الخيار فأمضاه ‏(‏ولوكيل المشتري الشفعة‏)‏ لأنه لا ينقض فعله لأنه مثل الشراء، لأنه سعى في زوال ملك البائع‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا قيل للشفيع إن المشتري فلان فسلم ثم تبين أنه غيره فله الشفعة‏)‏ لتفاوت الناس في الجوار‏.‏ فقد يرضى لفلان لخيره ولم يرض بغيره فلم يوجد التسليم في حقه؛ وكذا لو ظهر أن المشتري اشتراها لغيره؛ ولو قيل أن المشتري زيد فسلم فإذا هو زيد وعمرو فله أخذ نصيب عمرو ‏(‏وإذا قيل له إنها بيعت بألف فسلم ثم تبين أنها بيعت بأقل أو بمكيل أو موزون فهو على شفعته‏)‏ أما الأول فلأن الرضا بالأكثر لا يكون رضى بالأقل؛ وأما الثاني فلاحتمال تعذر الدراهم عليه وتيسر ما بيع به من المكيل والموزون؛ وكذلك العددي المتقارب، وسواء كانت قيمته ألفا أو أقل أو أكثر، لأن الواجب المثل، بخلاف ما إذا بيع بعبد أو أمة قيمتها ألف أو أكثر، لأن الواجب ألف حتى لو كانت قيمته أقل من ألف لم تبطل شفعته لأن الواجد القيمة، ولو قيل إنها بيعت بجارية فظهر أنها بيعت بعبد أو عرض آخر، ننظر إن كانت قيمة العبد أو العرض مثل قيمة الجارية أو أكثر بطلت، وإن كانت أقل لم تبطل لأن الواجب القيمة؛ ولو قيل بيعت بألف درهم فظهر أنها بيعت بمائة دينار، قال الكرخي‏:‏ إن كانت قيمتها ألفا أو أكثر بطلت؛ وإن كانت أقل لم تبطل؛ وهو قول أبي يوسف لأنهما جعلا كجنس واحد في الثمنية‏.‏ وأشار محمد في الأصل إلى بقاء الشفعة، وهو قول أبي حنيفة وزفر لأنهما جنسان مختلفان حتى يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، ولأنه ربما يسهل عليه أحدهما دون الآخر؛ ولو قيل بيعت بألف ثم حط البائع عن المشتري فله الشفعة، لأن الحط يلتحق بأصل العقد فصار كأنه باعها بأقل‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا تكره الحيلة في إسقاط الشفعة قبل وجوبها‏)‏ عند أبي يوسف لأنه منع من وجوب الحق، ويكره عند محمد لأنها شرعت لدفع الضرر والحيلة تنافيه‏.‏ والحيلة في إسقاط الزكاة على هذا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن باع سهما ثم باع الباقي فالشفعة في السهم الأول لا غير‏)‏‏.‏ لأن الشفيع جار والمشتري شريك في المبيع ثانيا، فيقدم عليه وهذه حيلة، وهو أن يبيع الأول بثمن كثير والباقي بثمن قليل؛ وإن اشتراها بثمن ودفع عنه ثوبا أخذها بالثمن الأول لأنه يستحق المبيع بما وقع العقد عليه لما مر، وهذه أيضا حيلة، وهو أن يعقد العقد بألف مثلا فيدفع عنها ثوبا يساوي مائة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن اشتراها بثمن مؤجل فالشفيع إن شاء أداه حالا، وإن شاء بعد الأجل ثم يأخذ الدار‏)‏ لأن الرضا بالتأجيل على المشتري لا يكون رضا بالتأجيل على الشفيع لتفاوت الناس في الملاءة والإعسار والوفاء والمطل، ولأنه ليس من حقوق العقد ولم يشترطه الشفيع فلا يثبت له، فإن أداه حالا وأخذها من البائع سقط الثمن عن المشتري لوصوله إلى البائع، وإن أخذها من المشتري فالثمن على حاله مؤجل للبائع على المشتري عملا بالشرط، وصار كما إذا اشتراه مؤجلا وباعه حالا، وإن أداه بعد الأجل فله ذلك، لأن له أن لا يلتزم زيادة الضرر، لكن لا بد من طلبه على الوجه الذي بيناه، فإذا ثبت أخر أداء الثمن‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا قضي للشفيع وقد بنى المشتري فيها، فإن شاء أخذها بقيمة البناء، وإن شاء كلف المشتري قلعه‏)‏ وهذا قول أبي حنيفة وزفر ومحمد، وهو رواية عن أبي يوسف، وروى عنه ابن زياد أنه يأخذها بالثمن وقيمة البناء أو يترك؛ والغرس مثل البناء لأنه بنى في ملك نفسه، لأن تصرفه فيه صحيح حتى لو أجره طاب له الأجر والقلع من أحكام العدوان فلا يكلفه كالزرع وكالموهوب له‏.‏ ولنا أنه تعدى من حيث إنه بنى في ملك تعلق به حق الغير من غير تسليط من ذلك الغير فينقص صيانة لحقه، وضرر القلع لحق المشتري بفعله فلا يعتبر، ولأن الشفيع استحقه بسبب سابق، وهو مقدم على المشتري فينقضه كما في الاستحقاق، ولهذا تنتقص جميع تصرفاته، بخلاف الموهوب له لأن صاحب الحق سلطه‏.‏ وأما الزرع فالقياس أن يقلعه، لكن استحسنوا أن يبقى في الأرض بالأجرة لأن لها نهاية فلا ضرر فيه كالبناء‏.‏ وذكر في المحيط أن الزرع يترك بغير أجر، وإن أخذه بالقيمة فقيمته مقلوعا ويعرف تمامه في الغصب‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولو بنى الشفيع ثم استحقت رجع بالثمن لا غير‏)‏ ولا يرجع بقيمته على المشتري ولا على البائع، لأن الرجوع إنما ثبت في المسألة الأولى ولأن البائع خدع المشتري وضمن له التمكن من التصرف كيف شاء، ولم يضمن للشفيع ذلك أحد، لأنه أخذه بغير اختيار البائع ولا المشتري فلم يكن مغرورا ولا يرجع، ولأنه لما استحق ثبت أنه أخذه بغير حق، أما الثمن فإنه عوض عن المبيع فإذا لم يسلم المبيع يرجع بالثمن‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا خربت الدار أو جف الشجر، فالشفيع إن شاء أخذ الساحة بجميع الثمن، وإن شاء ترك‏)‏ وكذلك لو احترقت أو غرقت، لأن البناء تبع ووصف للساحة حتى يدخل في البيع بغير ذكر فلا يقابله شيء من الثمن ما لم يكن مقصودا كأطراف العبد، ولو باعهما مرابحة باعها بجميع الثمن‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن نقض المشتري البناء فالشفيع إن شاء أخذ العرصة بحصتها، وإن شاء ترك‏)‏ لأنه صار مقصودا بالإتلاف فيقابله شيء من الثمن كأطراف العبد، وكذا إذا فعله أجنبي، وكذا إذا نزع باب الدار وباعه، وليس له أخذ النقض لأنه صار مفصولا فلم يبق تبعا، أو صار نقليا فلا شفعة فيه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن اشترى نخلا عليه ثمر فهو للشفيع‏)‏ معناه إذا شرطه في البيع لأنه لا يدخل بدون الشرط على ما مر في البيوع، فإذا شرطه دخل في البيع واستحق بالشفعة لأنه باعتبار الاتصال صار كالنخل، وهذا استحسان، والقياس أن لا شفعة فيه لعدم التبعية حتى لا يدخل في البيع بدون الشرط‏.‏ وإذا دخل في الشفعة ‏(‏فإذا جذّه المشتري نقص حصته من الثمن‏)‏ لأنه صار مقصودا بالذكر فقابله شيء من الثمن، وليس له أن يأخذ الثمرة لأنها نفلية، ولو لم يكن على النخل ثمر وقت البيع فأثمر فللشفيع أخذه بالثمرة، لأن البيع سرى إليه فكان تبعا، فإذا جذها المشتري، فللشفيع أن يأخذ النخل بجميع الثمن، لأن الثمرة لم تكن موجودة وقت العقد فلم تكن مقصودة، فلا يقابلها شيء من الثمن‏.‏

كتاب الإجارة

‏(‏وهي بيع المنافع، جوزت على خلاف القياس لحاجة الناس‏)‏ اعلم أن التمليك نوعان‏:‏ تمليك عين، وتمليك منافع‏.‏ وتمليك العين نوعان‏:‏ بعوض وهو البيع وقد بيناه، وبغير عوض وهو الهبة والصدقة والوصية، وسيأتيك أبوابها إن شاء الله تعالى‏.‏ وتمليك المنافع نوعان‏:‏ بغير عوض، وهو العارية والوصية بالمنافع على ما يأتيك؛ وبعوض وهو الإجارة، وسميت بيع المنافع لوجود معنى البيع وهو بذل الأعواض في مقابلة المنفعة وهي على خلاف القياس، لأن المنافع معدومة، وبيع المعدوم لا يجوز، إلا أنا جوزناها لحاجة الناس إليها، ومنع شمس الأئمة السرخسي هذا وقال‏:‏ إنما يشترط الملك والوجود للقدرة على التسليم، وهذا لا يتحقق في المنافع، لأنها عرض لا تبقى زمانين فلا معنى للاشتراط، فأقمنا العين المنتفع بها مقام المنفعة في حق إضافة العقد إليها ليترتب القبول على الإيجاب كقيام الذمة التي هي محل المسلم فيه مقام المعقود عليه في حق جواز السلم، وتنعقد ساعة فساعة على حسب حدوث المنفعة ليقترن الانعقاد بالاستيفاء، فيتحقق بهذا الطريق التمكن من استيفاء المعقود عليه‏.‏ والدليل على جوازها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 6‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ‏(‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 32‏]‏ أي بالعمل بالأجر‏.‏ وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «من استأجر أجيرا فليعلمه أجره» وبعث عليه الصلاة والسلام والناس يتعاملون بها فأقرهم على ذلك وعليه الإجماع، ولا تنعقد بلفظ البيع لأنه وضع لتمليك الأعيان، والإجارة تمليك منافع معدومة؛ ويبدأ بتسليم المعقود عليه ليتمكن من الانتفاع، لأن عين المنفعة لا يمكن تسليمها، فأقمنا التمكين من الانتفاع مقامه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا بد من كون المنافع والأجرة معلومة‏)‏ قطعا للمنازعة ولما تقدم من الحديث‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وما صلح ثمنا صلح أجرة‏)‏ لأنها ثمن أيضا؛ فالمكيل والموزون والمزروع والمعدود والمتقارب يصلح أجرة على الوجه الذي يصلح ثمنا، والحيوان يصلح إن كان عينا، أما دينا فلا لأنه لا يثبت في الذمة، والمنفعة تصلح أجرة في الإجارة إذا اختلف جنساهما، ولا تصلح ثمنا في البيع لأن الثمن يملك بنفس العقد، والمنفعة لا يمكن تمليكها بنفس العقد‏.‏ قال‏:‏ وتفسد بالشروط، ويثبت فيها خيار الرؤية والشرط والعيب، وتقال وتفسخ‏)‏ كما في البيع‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والمنافع تعلم بذكر المدة كسكنى الدار وزرع الأرضين مدة معلومة‏)‏ لأن المدة إذا علمت تصير المنافع معلومة ‏(‏أو بالتسمية كصبغ الثوب، وخياطته، وإجارة الدابة لحمل شيء معلوم أو ليركبها مسافة معلومة‏)‏ لأنه إذا بيّن لون الصبغ وقدره وجنس الخياطة وقدر المحمول وجنسه والمسافة تصير المنافع معلومة ‏(‏أو بالإشارة كحمل هذا الطعام‏)‏ لأنه إذا عرف ما يحمله والموضع الذي يحمله إليه تصير المنفعة معلومة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن استأجر دارا أو حانوتا فله أن يسكنها ويسكنها من شاء ويعمل فيها ما شاء‏)‏ من وضع المتاع وربط الحيوان وغيره وإن لم يسم ذلك، لأن المقصود المتعارف من الدور والحوانيت ذلك، ومنافع السكنى غير متفاوتة في ذلك‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏إلا القصارة والحدادة والطحن‏)‏ لأنها توهن البناء وفيه ضرر فلا يقتضيه العقد إلا بالتسمية، وإن كانت الدار ضيقة ليس له أن يربط الدابة فيها لعدم العادة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن استأجر أرضا للزراعة بيّن ما يزرع فيها أو يقول على أن يزرعها ما شاء‏)‏ لأن منافع الزراعة مختلفة وكذلك تضرر الأرض بالزراعة مختلف باختلاف المزروعات فيفضي إلى المنازعة، فإذا بيّن ما يزرع أو قال على أن يزرعها ما شاء انقطعت المنازعة ‏(‏وهكذا ركوب الدابة ولبس الثوب‏)‏ وكل ما يختلف باختلاف المستعملين، لأن الناس يختلفون في الركوب واللبس فيفضي إلى المنازعة، فإذا عيّن أو أطلق فلا منازعة ‏(‏إلا أنه إذا لبس أو ركب واحد تعين‏)‏ فليس له أن يركب أو يلبس غيره كما إذا عيّنه في الابتداء ويدخل في إجارة الدور والأرضين الطريق والشرب، لأن المقصود المنفعة ولا منفعة دونهما‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا استأجر أرضا للبناء والغرس فانقضت المدة يجب عليه تسليمها فارغة كما قبضها‏)‏ ليتمكن مالكها من الانتفاع بها فيقلع البناء والغرس لأنه لا نهاية لهما ‏(‏والرطبة كالشجر‏)‏ لطول بقائه في الأرض؛ أما الزرع فله نهاية معلومة فيترك بأجر المثل إلى نهايته رعاية للجانبين ‏(‏فإن كانت الأرض تنقص بالقلع يغرم له الآجر قيمة ذلك مقلوعا ويتملكه‏)‏ ترجيحا لجانب الأرض لأنها الأصل والبناء والغرس تبع، وإنما يغرم قيمته مقلوعا لأنه مستحق القلع، فتقوّم الأرض بدون البناء والشجر، وتقوّم وبها بناء أو شجر، ولصاحب الأرض أن يأمره بقلعه فيضمن فضل ما بينهما ‏(‏وإن كانت الأرض لا تنقص، فإن شاء صاحب الأرض أن يضمن له القيمة‏)‏ كما تقدم ‏(‏ويتملكه فله ذلك برضى صاحبه، أو يتراضيان فتكون الأرض لهذا والبناء لهذا‏)‏ لأن الحق لهما‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن سمى ما يحمله على الدابة كقفيز حنطة فله أن يحمل ما هو مثله أو أخف كالشعير، وليس له أن يحمل ما هو أثقل كالملح، وإن زاد على المسمى فعطبت ضمن بقدر الزيادة، وإن سمى قدرا من القطن فليس له أن يحمل مثل وزنه حديدا‏)‏ والأصل أن المستأجر إذا خالف إلى مثل المشروط أو أخف فلا شيء عليه، لأن الرضا بأعلى الضررين رضى بالأدنى وبمثله دلالة، وإن خلف إلى ما هو فوقه في الضرر فعطبت الدابة، فإن كان من خلاف جنس المشروط ضمن الدابة، لأنه متعد في الجميع ولا أجر عليه؛ وإن كان من جنسه ضمن بقدر الزيادة وعليه الأجر، لأنها هلكت بفعل المأذون وغير مأذون، فيقسم على قدرهما إلا إذا كان قدرا لا تطيقه فيضمن الكل لكونه غير معتاد فلا يكون مأذونا فيه، والحديد أضر من القطن لأنه يجتمع في موضع واحد من ظهر الدابة والقطن ينبسط‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن استأجرها ليركبها فأردف آخر ضمن النصف‏)‏ وهي نظير الزيادة من الجنس تعليلا وتفصيلا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏فإن ضربها فعطبت ضمنها‏)‏ وكذلك إن كبحها بلجامها إلا أن يكون أذن له في ذلك، وقالا‏:‏ لا يضمن إلا أن يتجاوز المعتاد، لأنه لا بد من الضرب المتعاد في السير، فكان مأذونا فيه لأن المعتاد كالمشروط‏.‏ ولأبي حنيفة أن السير يمكن بدون ذلك بتحريك الرجل والصيحة، فلا يملك ذلك إلا بصريح الإذن؛ وكذا لو استأجر حمارا بسرج فأوكفه ضمن عنده، وقالا‏:‏ لا يضمن إلا أن يكون أثقل من السرج فيضمن قدر الزيادة، أو يكون لا يوكف بمثله الحمر فيضمن الكل، لأنه إذا كان يوكف بمثله الحمر صار هو والسرج سواء فيكون مأذونا فيه دلالة‏.‏ وله أن الإكاف للحمل والسرج للركوب فكان خلاف الجنس، ولأنه ينبسط على ظهر الدابة أكثر من السرج فكان أضر فيضمن للمخالفة‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏في أجرة العامل‏]‏

‏(‏الأجراء‏:‏ مشترك كالصباغ والقصار‏)‏ لأن المعقود عليه إما العمل أو أثره، والمنفعة غير مستحقة فله أن يعمل للغير فكان مشتركا ‏(‏ولا يستحق الأجرة حتى يعمل‏)‏ لأن الأجرة لا تستحق بالعقد على ما سنبينه إن شاء الله تعالى ‏(‏والمال أمانة في يده‏)‏ لأنه قبضه بإذن المالك فلا يضمنه ‏(‏إلا أن يتلف بعمله كتخريق الثوب من دقه وزلق الحمال وانقطاع الحبل من شده ونحو ذلك‏)‏ لأنه مضاف إلى فعله وهو لم يؤمر إلا بعمل فيه صلاح، فإذا أفسده فقد خالف فيضمن ‏(‏إلا أنه لا يضمن الآدمي إذا غرق في السفينة من مده، أو سقط من الدابة بسوق وقوده‏)‏ لأن الآدمي لا يضمن بالعقد وإنما يضمن بالجناية، ولو غرقت من موج أو ريح أو صدم جبل أو زوحم الحمال فلا ضمان عليهم، لأنه لا فعل لهم في ذلك، ولو تلف بفعل أجير القصار لا متعمدا فالضمان على الأستاذ، لأن فعل الأجير مضاف إلى أستاذه‏.‏ وقال أبو يوسف ومحمد‏:‏ يضمن سواء هلك بفعله أو بغير فعله، إلا ما لا يمكن الاحتراز عنه كالموت والحريق والغرق الغالب والعدو المكابر، لأنه يجب عليه حفظه عما يمكن التحرز عنه، فإذا تركه ضمن كما إذا هلك بفعله، وهو مروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما؛ ثم إن شاء ضمنه معمولا وأعطاه الأجر وغير معمول ولا أجر له‏.‏ وقال زفر‏:‏ لا يضمن في الوجهين لأنه عمل بأمر المالك وصار كأجير الوحد، وجوابه ما مر لأبي حنيفة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا ضمان على الفصاد والبزاغ إلا أن يتجاوز الموضع المعتاد‏)‏ لأنه إذا فعل المعتاد لا يمكنه الاحتراز عن السراية، لأنه يبتني على قوة المزاج وضعفه وذلك غير معلوم فلا يتقيد به، بخلاف دق الثوب لأن رقته وثخانته تعرف لأهل الخبرة به فتقيد بالصلاح؛ ولو قال للخياط‏:‏ إن كفاني هذا الثوب قميصا فاقطعه فقطعه فلم يكفه ضمن، لأنه إنما أذن له في القطع بشرط الكفاية، ولو قال له‏:‏ هل يكفيني‏؟‏ فقال نعم، قال‏:‏ فاقطع فلم يكفه لا يضمن لأنه أمره بالقطع مطلقا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وخاص كالمستأجر شهرا للخدمة ورعي الغنم ونحوه‏)‏ لأن منافعه صارت مستحقة للمستأجر طول المدة فلا يمكنه صرفها إلى غيره فلهذا كان خاصا، ويسمى أجير الوحد أيضا ‏(‏ويستحق الأجرة بتسليم نفسه وإن لم يعمل‏)‏ لأنها مقابلة بالمنافع، وإنما ذكر العمل لصرف المنفعة المستحقة إلى تلك الجهة، ومنافعه صارت مستوفاة بالتسليم تقديرا حيث فوتها عليه فاستحق الأجرة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا يضمن ما تلف في يده‏)‏ لما مر ‏(‏ولا بعمله إذا لم يتعمد الفساد‏)‏ لأن المعقود عليه المنفعة وهي سليمة، والمعيب العمل الذي هو تسليم المنفعة وهو غير معقود عليه ولا يكون مضمونا عليه، ولأن المنافع إذا صارت ملكا للمستأجر فإذا أمره بالعمل انتقل عمله إليه، لأنه يصير نائبا عنه فيصير كأنه فعله بنفسه، وما تلف من عمله ضمانه على أستاذه لما أنه أجير خاص‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن استأجر عبدا فليس له أن يسافر به إلا أن يشرطه‏)‏ لأن خدمة السفر أشق فلا ينتظمها العقد إلا بشرط، فإن استأجره للخدمة فعليه خدمته من السحر إلى أن ينام الناس بعد العشاء عملا بالعرف في الخدمة وعليه خدمة البيت والضيف دون الخبز والطبخ والخياطة وعلف الدواب ونحو ذلك، ولو آجر عبده سنة ثم أعتقه في خلالها جاز العتق؛ والعبد إن شاء مضى على الإجارة وإن شاء فسخ، وأجرة ما مضى للسيد وما بقي للعبد، لأن منفعته بعد العتق له فيكون له بدلها، وإذا أجاز فليس له فسخها بعد ذلك، وليس للعبد قبض الأجرة إلا بإذن المولى‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏في استحقاق الأجرة‏]‏

‏(‏والأجرة تستحق باستيفاء المعقود عليه، أو باشتراط التعجيل أو بتعجيلها‏)‏

لأن الأجرة لا تجب بنفس العقد لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»‏.‏ ولو وجبت بنفس العقد لما جاز تأخيره إلا برضاه، والنص يقتضي الوجوب بعد الفراغ، لأن العرق إنما يوجد بالعمل، ولأن المنفعة لا يمكن استيفاؤها لذي العقد لأنها تحدث شيئا فشيئا، وهي عقد معاوضة فتقتضي المساواة فلا تجب الأجرة بنفس العقد، فإذا استوفى المعقود عليه استحق الأجرة عملا بالمساواة، وإذا اشترط التعجيل أو عجلها فقد رضي بإسقاط حقه في التأجيل فيسقط‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا تسلم العين المستأجرة فعليه الأجرة وإن لم ينتفع بها‏)‏ لأن تسليم المنفعة غير ممكن فأقيم تسليم العين مقامها فيتمكن من الانتفاع‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏فإن غصبت منه سقط الأجر‏)‏ لأنه زال التمكن فبطلت لما بينا أنها تنعقد شيئا فشيئا، ولو غصبها في بعض المدة سقطت حصته لما بينا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولرب الدار أن يطالب بأجرة كل يوم‏)‏ وكذا جميع العقار، لأن أحد العوضين صار منتفعا به مدة مقصودة، فيجب أن يكون العوض الآخر كذلك تحقيقا للمساواة؛ وقضية ما ذكرنا أن له المطالبة ساعة فساعة إلا أن فيه حرجا عظيما وضررا ظاهرا فقدرناه باليوم تيسيرا، ولأنا لا نعرف حصة كل ساعة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والجمال بأجرة كل مرحلة‏)‏ لما بينا‏.‏ وعن أبي يوسف إذا سار ثلث الطريق أو نصفه لزمه التسليم‏.‏ وعن أبي حنيفة إذا انقضت المدة وانتهى السفر وهو قول زفر، لأن المعقود عليه شيء واحد وهو قطع هذه المسافة أو سكنى هذه المدة فلا ينقسم الأجر على أجزائها كالعمل، وكأن أبا يوسف أقام الثلث أو النصف مقام الكل على أصله، وجوابه ما بينا، ثم رجع أبو حنيفة إلى ما ذكرنا أولا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وتمام الخبز إخراجه من التنور‏)‏ وكذلك الآجرّ لأنه لا ينتفع به قبل ذلك، فلو اخترق أو سقط من يده قبل ذلك فلا أجر له بهلاكه قبل التسليم، وإن هلك بعد الإخراج بغير فعله فلا ضمان عليه وله الأجر، لأنه سلمه إليه حيث وضعه في بيته ولم يهلك بفعله‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وتمام الطبخ غرفه‏)‏ إن كان في وليمة، وإن طبخ قدر طعام لصاحبه فليس عليه الغرف للعرف‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وتمام ضرب اللبن إقامته‏)‏ وقالا‏:‏ تشريجه لأن بالتشريج يؤمن عليه الفساد، وهو من عمله عرفا فيلزمه‏.‏ ولأبي حنيفة أن العمل تم بالإقامة لأنه يمكنه الانتفاع به من غير خلل فلا يلزمه شيء آخر، والتشريج فعل آخر فلا يلزمه إلا بالشرط ولو كان في غير ملكه، فما لم يشرجه ويسلمه إلى المستأجر فلا أجر له وهو في ضمانه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن لعلمه أثر في العين كالصباغ والخياط والقصار يحبسها حتى يستوفي الأجر‏)‏ لأن له حبس صبغه وغيره بحبس المحل حتى يستوفي الثمن كالمبيع ‏(‏فإن حبسها فضاعت لا شيء عليه‏)‏ لأنه أمانة في يده ‏(‏ولا أجر له‏)‏ وعندهما هو مضمون بعد الحبس كقبله، فإن ضمنه معمولا فله الأجر وغير معمول لا أجر له‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن لا أثر لعمله كالحمال والغسال ليس له ذلك‏)‏ لأنه ليس له عين يحبسها والمعقود عليه نفس العمل فلا يتصور حبسه، فإن حبسه فهو غاصب، بخلاف رد الآبق حيث له حبسه على الجعل، وإن لم يكن لعمله أثر لأنه عرف نصا، ولأنه كان على شرف الهلاك وقد أحياه بالرد فكأنه باعه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا شرط على الصانع العمل بنفسه ليس له أن يستعمل غيره‏)‏ لأن العمل يختلف باختلاف الصناع جودة ورداءة، فكان الشرط مفيدا، فيتعين كما تتعين المنفعة في محل بعينه، وإن أطلق له العمل فله أن يعمل بنفسه وبغيره، لأن المستحق مطلق العمل، ويمكنه إيفاؤه بنفسه وبغيره فافترقا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن قال‏:‏ إن سكنت هذا الحانوت عطارا فبدرهم، وحدادا بدرهمين جاز، وأي العملين عمل استحق المسمى له‏)‏ وقالا‏:‏ الإجارة فاسدة، وعلى هذا الخلاف إن استأجر دابة إلى الحيرة بدرهم وإلى القادسية بدرهمين، أو إن حمل عليها كر شعير فبدرهم وكر حنطة بدرهمين‏.‏ لهما أن المعقود عليه أحد الشيئين، والأجر أحد الأجرين، وتجب بالتخلية والتسليم وأنه مجهول، بخلاف الخياطة الرومية والفارسية، لأن الأجرة تجب بالعمل، وبه ترتفع الجهالة فافترقا، ولأبي حنيفة أنه خيّره بين عقدين مختلفين صحيحين، لأن سكنى العطار تحالف سكنى الحداد حتى لا تدخل في مطلق العقد، وكذا بقية المسائل والإجارة تعقد للمنفعة، وعندهما ترتفع الجهالة فيصح كالفارسية والرومية، وإن وجب الأجر بالتسليم يجب أقلهما للتيقن به، ولو قال‏:‏ إن خطت هذا الثوب فارسيا فبدرهم وروميا فبدرهمين جاز، وأي العملين عمل استحق أجرته، وقد مر وجهه‏.‏ وقال زفر‏:‏ الإجارة فاسدة لجهالة البدل في الحال، وجوابه ما مر‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏فساد الإجارة‏]‏

اعلم أن الإجارة تفسد بالشروط كما يفسد البيع، وكل جهالة تفسد البيع يفسد الإجارة من جهالة المعقود عليه أو الأجرة أو المدة لما عرف أن الجهالة مفضية إلى المنازعة‏.‏ والأصل قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «من استأجر أجيرا فليعلمه أجره»‏.‏ شرط أن تكون الأجرة معلومة كما شرطه في البيع؛ ولو آجر الدار على أن يعمرها أو يطينها أو يضع فيها جذعا فهو فاسد لجهالة الأجرة لأن بعضها مجهول، لأنه لا يدري ما يحتاج إليه من العمارة، ويعرف غيرها من الشروط المفسدة لمن يتأملها فتقاس عليها ‏(‏وإذا فسدت الإجارة يجب أجر المثل‏)‏ لأن التسمية إنما تجب بالعقود الصحيحة‏.‏ أما الفاسدة فتجب فيها قيمة المعقود عليه كما في البيع‏.‏ وقال عليه الصلاة والسلام في النكاح بغير مهر»‏.‏ فإن دخل بها فلها مهر مثلها لا وكس ولا شطط»‏.‏ فدل على وجوب القيمة في العقد الفاسد‏.‏ ‏(‏ولا يزاد على المسمى‏)‏ لأن المنافع لا قيمة لها إلا بعقد أو شبهة عقد ضرورة لحاجة الناس، وقد قوماها في العقد بما سميا، فيكون ذلك إسقاطا للزيادة، بخلاف البيع، لأن الأعيان متقومة بنفسها، فإذا بطل المسمى يصير كأنها تلفت بغير عقد فتجب القيمة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا استأجر دارا كل شهر بدرهم صح في شهر واحد‏)‏ لأنه معلوم ‏(‏وفسد في بقية الشهور‏)‏ لأن كل كلمة للعموم وأنه مجهول ‏(‏إلا أن يسمي شهورا معلومة‏)‏ فيكون صحيحا في الكل لكونه معلوما‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏فإذا تمّ الشهر‏)‏ في المسألة الأولى ‏(‏فلكل واحد منهما نقض الإجارة‏)‏ لانتهاء المدة ‏(‏فإن سكن ساعة في الشهر الثاني صح العقد فيه‏)‏ أيضا ‏(‏وكذلك كل شهر سكن أوله‏)‏ لتمام العقد بتراضيهما بالسكنى، وقيل يبقى الخيار لهما في أول ليلة في الشهر ويومها دفعا للحرج عنهما، لما فيه من اللزوم بغير التزامهما‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن استأجر جملا ليحمل له محملا إلى مكة جاز وله المعتاد من ذلك‏)‏ والقياس أن لا يجوز لأنه مجهول إلا أن الأصل أن ما لا نص فيه يرجع فيه إلى المتعارف، والمقصود الراكب والمحمل تبع، والجهالة فيه ترتفع بالرجوع إلى المعتاد فلا تفضي إلى المنازعة، وإن شاهد الجمال المحمل فهو أولى قطعا للمنازعة لدلالته على الرضى‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن استأجره لحمل الزاد فأكل منه فله أن يرد عوضه‏)‏ لأنه يستحق عليه حمل قدر معلوم طول الطريق، فيرد عوض ما أكل، وهو معتاد عند الناس إذا نقص عليهم، وهكذا غير الزاد إذا أكله يرد مثله لما بينا؛ ولو استأجر بعيرين ليحمل على أحدهما محملا فيه رجلان وما لهما من الوطاء والدثار ولم يعاين المكاري ذلك، وعلى الآخر زاملة فيه قدر من الزاد وما يحتاج إليه من الخل والزيت ونحوهما، وما يكفيه من الماء ولم يبين قدره، وما يصلح من القربة وخيطها والميضأة والمطهرة ولم يبين وزنه، أو شرط أن يحمل هدايا من مكة ما يحمله الناس، فهو جائز استحسانا، لأن ذلك معلوم عرفا، والمعلوم عرفا كالمشروط، ويحمل قربتين من ماء‏.‏ وإداوتين من أعظم ما يكون، وكذلك إذا اكترى عقبة للتعارف، وكذلك إذا استأجر دابة ليتعاقبا في الركوب ينزل أحدهما ويركب الآخر، وإن لم يبين مقدار ما يركب كل واحد منهما لجريان التعارف بذلك‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويجوز استئجار الظئر بأجرة معلومة‏)‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 6‏]‏ ولأن التعامل بذلك جار بين الناس‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويجوز بطعامها وكسوتها‏)‏ وقالا‏:‏ لا يجوز وهو القياس للجهالة، فإن طعامها وكسوتها مجهول حتى لو شرط قدرا من الطعام كل يوم وكسوة ثوب موصوف الجنس والطول والعرض كل ستة أشهر جاز بالإجماع‏.‏ ولأبي حنيفة أن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة، لأن العادة جرت بالتوسعة على الأظآر وعدم المماسكة معهن، وإعطائهن شهواتهن شفقة على الأولاد، ويجب عليها القيام بأمر الصبي مما يصلحه من رضاعه وغسل ثيابه وإصلاح طعامه وما يداوى به، لأن هذه الأعمال مشروطة عليه عرفا، ولو أرضعته جاريتها أو استأجرت من أرضعته فلها الأجر لأنها منزلة الأجير المشترك لأن المعقود عليه العمل، ولو شرط أن ترضعه فأرضعته فلا أجر لها للمخالفة فيما فيه تفاوت، وقيل لها الأجر لأن المقصود من الإرضاع حياة الصبي وهما سواء فيه، وما بينهما من التفاوت يسير لا يعتبر؛ ولو أرضعته بلبن غنم أو بقر فلا أجر لها، لأنه إيجار وليس بإرضاع‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا يمنع زوجها من وطئها‏)‏ لأن حقه ثابت بالنكاح قبل الإجارة، وهو قائم بعدها، ولهم منعه من غشيانها في منزلهم مخافة الحبل، ولأنه ليس له ولاية الدخول إلى ملك الغير بغير أمره، فإن حبلت فلهم فسخ الإجارة؛ وكذلك إن كان الصبي لا يرضع لبنها أو يقذفه أو يتقايأه، أو تكون سارقة أو فاجرة، أو يريدون السفر، لأن كل ذلك أعذار، ولأن الصبي يستضر بلبنها، وكذلك إذا مرضت، وكذا لو مات الصبي أو الظئر انتقضت الإجارة ولزوجها نقض الإجارة إذا لم يرض صيانة لحقه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا تجوز الإجارة على الطاعات كالحج والأذان والإمامة وتعليم القرآن والفقه‏)‏ لما روي عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه قال‏:‏ آخر ما عهد إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أتخذ مؤذنا يأخذ على الأذان أجرا، ولأن القربة تقع من العامل‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن ليس للإنسان إلا ما سعى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 39‏]‏ فلا يجوز له أخذ الأجرة من غيره كالصوم والصلاة، وكذا لا يجوز على تعليم الصنائع، لأن التعليم لا يقوم بالمعلم بل به وبالمتعلم وهو ذكاؤه وفطنته فلا يكون مقدورا له، أو نقول هما شريكان، فلا تصح الإجارة من أحدهما ‏(‏وبعض أصحابنا المتأخرين قال‏:‏ يجوز على التعليم والإمامة في زماننا، وعليه الفتوى‏)‏ لحاجة الناس إليه وظهور التواني في الأمور الدينية، وكسل الناس في الاحتساب، فلو امتنع الجواز يضيع حفظ القرآن؛ ولو استأجر مصحفا أو كتابا ليقرأ منه لم يجز ولا أجر له، لأن القراءة والنظر منفعة تحدث من القارئ لا من الكتاب، فصار كما لو استأجر شيئا لينظر إليه لا يجوز‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا تجوز على المعاصي كالغناء والنوح ونحوهما‏)‏ لأنها لا تستحق بالعقد فلا تجوز‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا على عسب التيس‏)‏ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك وهو أن يستأجر التيس لينزو على غنمه ويدخل فيه كل فحل كالحصان والحمار وغيرهما‏.‏ أما النزو بغير أجر لا بأس به، وأخذ الأجر عليه حرام‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وتجوز أجرة الحجّام‏)‏ فقد صح أنه عليه الصلاة والسلام احتجم وأعطى الحجّام أجره والنهي الوارد فيه للإشفاق لما فيه من الدناءة وبإجماع المسلمين‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والحمام‏)‏ للتعامل ولا اعتبار للجهالة مع اصطلاح المسلمين‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن استأجر دابة ليحمل عليها طعاما بقفيز منه فهو فاسد‏)‏ لأنه جعل الأجر بعض ما يخرج من عمله فصار كقفيز الطحان، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطحان، وهو أن يستأجر ثورا أو رحى ليطحن له حنطة بقفيز منها‏.‏ وينبني على هذا مسائل كثيرة تعرف بالتأمل‏:‏ منها إذا دفع إلى حائك غزلا لينسجه بالنصف، والمعنى فيه أن المستأجر عجز عن الأجرة وهو بعض المنسوج والمطحون، لأن ذلك إنما يحصل بفعل الأجر فلا يكون قادرا بقدرة غيره‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولو قال أمرتك أن تخيطه قباء، وقال الخياط قميصا فالقول لصاحب الثوب‏)‏ وكذا إذا اختلفا في صبغ الثوب أصفر أو أحمر، أو بزعفران أو بعصفر؛ ووجهه أن الخياط والصباغ أقر بسبب الضمان وهو التصرف في ملك الغير، ثم ادعى ما يبرئه وصاحبه ينكر، ولأن الإذن يستفاد من جهة رب الثوب فيكون القول قوله لأنه أخبر بذلك ‏(‏ويحلف‏)‏ لأنه لو أقر لزمه فيحلف لاحتمال النكول ‏(‏فإذا حلف فالخياط ضامن‏)‏ معناه‏:‏ إن شاء ضمنه الثوب، وإن شاء أخذه وأعطاه أجر مثله، أو ما زاد الصبغ في رواية ‏(‏ولو قال خطته بغير أجر، وقال الصانع بأجر، فإن كان قبل العمل يتحالفان ويبدأ بيمين المستأجر‏)‏ لأن كل واحد منهما يدعي عقدا والآخر ينكره، لأن أحدهما يدعي هبة العمل، والآخر يدعي بيعه ‏(‏وإن كان بعد العمل فالقول لصاحب الثوب‏)‏ لأنه منكر، لأنه لا قيمة للعمل بدون العقد، وهذا قول أبي حنيفة‏.‏ وذكر أبو الليث عنه في العيون إن كانت الخياطة حرفته فله أجر مثله عملا بالعرف، وإلا فلا أجر له ويكون متبرعا لما بينا‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ لا أجر له إلا أن يكون معاملة فيكون له الأجر جريا على عادتهما‏.‏ وقال محمد‏:‏ إن اتخذ حانوتا وانتصب لهذه الصناعة فله الأجرة وإلا فلا، وعليه الفتوى، لأنه دليل على العمل بالأجرة عرفا، والمعروف كالمشروط‏.‏

قال محمد‏:‏ لو أمره أن ينقش اسمه على فصه فنقش اسم غيره ضمنه، لأنه فوّت غرضه وهو الختم فصار كالاستهلاك؛ ولو استأجره ليحفر له بئرا بأجر مسمى طولها وعرضها جاز؛ وفي القبور يجوز وإن لم يبين ذلك لأنه معلوم عرفا، فإن وجد باطن الأرض أشد فليس بعذر، وإن تعذر الحفر فهو عذر ولا يستحق الأجر حتى يفرغ، لأنه عمل واحد لا ينتفع به قبل التمام‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا خربت الدار، أو انقطع شرب الضيعة أو ماء الرحى، انفسخ العقد‏)‏ لفوات المعقود عليه وهي المنفعة قبل القبض لما بينا أنها تحدث شيئا فشيئا، وصار كموت العبد المستأجر، وقيل لا ينفسخ لكن له الفسخ‏.‏ قالوا‏:‏ وهو الأصح فإنه روي عن محمد نصا‏:‏ لو انهدم البيت المستأجر فبناه الآجر ليس للمستأجر أن يمتنع، وذلك لأن أصل المعقود عليه لا يفوت، لأن الانتفاع بالعرصة ممكن بدون البناء، إلا أنه ناقص فصار كالعيب فيستحق الفسخ، ولو وجد بها عيبا يخل بالمنافع كمرض العبد والدابة وندبها وانهدام بعض البناء فله الخيار، إن شاء استوفى المنفعة مع العيب، ويلزمه جميع البدل لأنه رضي بالعيب، وإن شاء فسخ لأنه وجد العيب قبل القبض، لأن المنفعة توجد شيئا فشيئا فكان له فسخه، فإن زال العيب أو أزاله المؤجر فلا خيار له ‏(‏ولو مات أحدهما وقد عقدها لنفسه انفسخت‏)‏ لما مر أنها تنعقد شيئا فشيئا فلا تبقى بدون العاقد ‏(‏وإن عقدها لغيره لم تنفسخ‏)‏ كالوصي والولي وقيّم الوقف والوكيل لأنه نائب عنهم فكأنه معبر‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏في فسخ الإجارة‏]‏

‏(‏وتفسخ الإجارة بالعذر‏)‏ والأصل فيه أنه متى تحقق عجز العاقد عن المضي في موجب العقد إلا بضرر يلحقه، وهو لم يرض به يكون عذرا تفسخ به الإجارة دفعا للضرر‏.‏ وهل يشترط للفسخ قضاء القاضي‏؟‏ ذكر في الزيادات إن كان عذرا فيه شبهة كالدين يشترط له القضاء، وإن كان واضحا لا‏.‏ وذكر في المبسوط والجامع الصغير أنه ليس بشرط، وينفرد العاقد به وهو الصحيح، لأنه في معنى العيب قبل القبض على ما بيناه، وذلك كمن استأجر إنسانا ليقلع ضرسه فسكن وجعه، أو ليقطع يده لأكلة فسقطت الآكلة فإنه تفسخ الإجارة، وهذا حجة على من يقول إنها لا تفسخ بالعذر‏.‏

و‏(‏كمن استأجر حانوتا ليتجر فأفلس، أو آجر شيئا ثم لزمه دين ولا مال له سواه‏)‏ فإن القاضي يفسخها ويبيعه في الدين، لأن على تقدير عدم الفسخ يلزمه ضرر لم يلتزمه بالعقد، وهو حبسه على الدين والإجارة على تقدير الإفلاس فيفسخ دفعا للضرر ‏(‏وكذلك إن استأجر دابة للسفر فبدا له تفسخ الإجارة‏)‏ لأنه يلزمه الضرر بالمضي على العقد، لأنه ربما أراد التجارة فأفلس، أو لطلب غريم فحضر ‏(‏وإن بدا للمكاري فليس بعذر‏)‏ لأنه يمكنه إنفاذ الدواب مع أجيره فلا يتضرر‏.‏ وعن الكرخي‏:‏ إن مرض المكاري فهو عذر، لأنه لا يخلو عن نوع ضرر فيعذر حالة الاضطرار لا حالة الاختيار، وعلى رب الدار عمارتها وإصلاح ميازيبها وبئر الماء وتنظيف البالوعة الممتلئة من أفعال المستأجر، وكل ما يكون مضرا بالسكنى، فإن لم يفعل فللمستأجر أن يخرج؛ وإن رأى هذه العيوب وقت الإجارة فلا خيار له لأنه رضي بالعيب، وعلى المستأجر رمي التراب والرماد المجتمع في الدار من كنسه لأنه ليس من باب السكنى، كري نهر رحا الماء على الآجر إلا أن يكون شرطه على المستأجر‏.‏